top of page

الأزهار التي لا تنزف

  • Writer: Rahaf
    Rahaf
  • 3 hours ago
  • 4 min read

نحنُ نؤذي مالا ينزف، مالا تراهُ العين المجرّدة. اقطف الأزهار الجميلة، فهي لا تنزف دمًا؛ لكنها تخسر روحها وتجُف. اقتلع الأشجار، فهي لا تصرخ؛ لكن هيّبتها تموت. افعل بالبحر ماتشاء؛ فلن يصلنا أنين الأسماك. دمّر مالا ينزفُ دمًا .. وإن كان ينزف إحساسًا؟ لا يهم، فنحنُ واقعيون، والواقع هو الدماء.


أخبرتُ صديقتي مؤخرًا بأنني شخص يتفهم العزلة، لكنني لا أعزل نفسي عن البشر. بل أحبهم وأحب حماقاتهم، لأنني من الطينة ذاتها. لم أقابل شخصًا لم تكن له يد —سواء كانت طيبة أم قاسية— في تحسين سلوكي المجتمعي. لطالما كان الجميع عونًا لي، وكنتُ عونًا لهم.



كيف كان شهر يناير؟

أكان شهرًا أم أعوامًا؟ بلى، كان أعوامًا.


كاتبتكم مرهفةُ القلب على وشك التخرج من الجامعة. لم آخذ هذا الفصل سوى مادتين: التدريب كمتطلب للتخرج، والأطروحة. أليس هذا لطيفًا؟ بلى، لكنه يصبح خطيرًا؛ فأنا على حافة اللامبالاة، مستعدة للقفز إلى الجهة الأخرى: الواقعية.


أطروحة التخرج كل ما يهمني الآن، أريد أن أكتب عن النيوليبرالية، عدوّي اللدود. لذلك أنا بحاجة إلى أن أتسلح بالعلم؛ بالمعنى الحرفي والمجازي. عيناي تترقبان الأخبار ومصائب العالم. أنا بحاجة إلى دليل أضبط به الدبلوماسيين وغيرهم بالجُرم المشهود. لذا أنا طالبة في رحلة عميقة من السعي والإصرار. تمنّوا لكاتبتكم، طالبة العلاقات الدولية، علاقاتٍ جميلة.


الشهر الماضي سلّمتُ مشروعي الأخير لمادة علم الإنسان (الأنثروبولوجيا). وكان مشروعًا يهمني كامرأة أولًا، ولأنني أحب الفضول ثانيًا.

كان عنوان بحثي: ممارسة الفردية في مجتمع جماعي. وقستُ بشكل مبسّط السؤال الجوهري: إلى أي مدى تمارس النساء العاملات غير المتزوجات الفردية ضمن نظام اجتماعي يتمحور حول الأسرة؟


لن أتطرق إلى البحث بالكامل، لكنه كان من أمتع الأبحاث العلمية التي عملت عليها خلال السنتين الماضيتين. قبل عامين كنت أكتب عن النظريات السياسية، وهو أكثر ما أحب، إلى جانب المناظرات حولها.


لن أتطرق إلى البحث بالكامل، لكنّه كان من أمتع الأبحاث العلمية التي قمت بالعمل عليها خلال السنتين الماضيتين، حيث قبل عامين كنت أكتب في محوّر النظريات السياسية، وهو أكثر ما احب بجانب المناظرات حولها.


إليكم نتائج بحثي:

"تخلص هذه الدراسة إلى أن النساء العاملات غير المتزوجات يمارسن نمطًا من الفردانية يقوم على العلاقات، ويظل مشروطًا بالسياق الاجتماعي، ومتجذرًا في الثقافة المحلية. ويوفّر العمل للنساء موارد مالية تعمل كأدوات قوة، تُمكّنهن من تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية داخل الحياة الأسرية دون تقويض القيم الجماعية. كما يُفهم العمل بوصفه مرحلة استراتيجية لا تحوّلًا دائمًا، ما يتيح للنساء السعي إلى توجيه ذواتهن بأنفسهن مع بقائهن مندمجات في بنى اجتماعية تتمحور حول الأسرة.


وفي المحصلة، تُظهر الدراسة أن الفردانية في هذا السياق ليست خروجًا عن الثقافة السعودية، بل إعادة ضبط داخلية لها؛ تتحقق فيها الاستقلالية عبر التفاوض والمساهمة واكتساب الشرعية الأخلاقية، لا عبر الانفصال أو القطيعة."



ما خرجتُ به من هذا التقرير هو أن هناك فرقًا شاسعًا بين الفردانية الليبرالية، والفردانية المجتمعية. في الأولى تخرج عن القطيع —عائلتك، قبيلتك، أسرتك— وتطالب، كرجل أو امرأة، بحق الانفصال عن المجتمع الذي كوّنك كإنسان باسم الفردانية.

أما الثانية، فهي حق بديهي في أن تكون لك حرية اختيار ما يناسبك دون اللجوء إلى الانفصال الكلي عن مجتمعك. وهذا هو جوهر نتيجتي؛ فجميع النساء اللواتي قابلتهن أو تلقيت منهن ردودًا أبدين دعمهن للبقاء داخل المجتمع، وبالمقابل امتلاك الحرية في بنائه، وأن يكنّ جزءًا لا يتجزأ منه.



إلى جانب دروس الأنثروبولوجيا، تلقيت الفصل الماضي مادة عن الهجرة، بعنوان: Migration, Refugees, and Citizenship in a Globalized World.

هذهِ المادة كان أشبه بصفعة على خدي. ففي عالم ظننتُ أن إنتكاساته فوضوية وليس باليد حيله، كان تحت تنظيم دقيق، قابل للمعالجة.


وكان بحثي الأخير في هذه المادة عن قوانين التجريم للمهاجرين إلى اليونان، تحت عنوان:

الهجرة الجنائية: المهاجر مذنب حتى تثبت إدانته


للمهتمين، أرفق النتائج أيضًا:

"يعكس مفهوم «تجريم الهجرة» تحوّلًا نحو إدارة الهجرة من خلال العقاب بدلًا من الحماية، ما يخلق فجوة مستمرة بين الالتزامات الدولية والممارسات المحلية. وتُسهم الحوافز الاقتصادية، والخطابات الإعلامية المؤمَّنة أمنيًا، وأنظمة الإنفاذ المتجذّرة في ترسيخ هذا النهج والحد من إمكانات الإصلاح الجاد. وتُظهر دراسة الحالة اليونانية كيف تتحول هذه الديناميات إلى انتهاكات منهجية للحقوق، بدءًا من الإعادات القسرية على الحدود وصولًا إلى حالة عدم الاستقرار القانوني المطوّل.


وتوضح الأطر النظرية سبب استمرار هذه الممارسات؛ إذ تخدم مصالح سياسية، وتعيد إنتاج اللامساواة البنيوية، وتحافظ على مؤسسات قائمة على منطق الإنفاذ والعقاب. وبناءً على ذلك، فإن معالجة «تجريم الهجرة» تتطلب إعادة تمركز حقوق المهاجرين في صلب السياسات، وإعادة بناء أنظمة الهجرة على أساس الحماية لا التجريم، والتخلي عن التعامل مع المهاجرين بوصفهم منبوذين أو عبئًا أمنيًا."



كلا البحثين أُنجزا ضمن إطار مقرر دراسي بمعايير محددة، لذلك لا تزال نتائجهما في مستوى تمهيدي لبداية جيدة. وعندما أنتهي من أطروحة التخرج سأعود إليهما وأنقحهما كما يستحقان.




لنخرج الآن من الفقاعة الأكاديمية، ولنتمشى قليلًا في فقاعة القلب.


كيف حال القلوب؟ هل نزورها بما فيه الكفاية؟

أنا أزور قلبي، لكن لم أكن أحضر لها الأزهار، فكانت تغلق الباب في وجهي. ياللعار!


لقد تصالحنا في بداية العام. أنا أحضرتُ لها الأزهار، وهي أعطتني قُبلة على جبيني و منحتني السلام.

مرحى!


قرأت بداية الشهر أحد أعمال كاتبتي المفضلة كلاريس ليسبيكتور. قامت بإصلاح إعوجاجات وجدتها في فناء منزل قلبي. زرعت الأزهار في الحديقة، اهتمت بهم، وأرشدتني كيف أتكفل بالباقي.

لقد قامت بزرع الروز و الزنبق، كلاهما بدرجات زهرية.


لحظة واحدة! حضر ضيفٌ آخر ..

إنها شارلوت برونتي!

هل ستروي الشِعر على أزهار كلاريس وتصيبهم بالحُمى؟

لا!

إنها تساهم في زرع أزهارها الخاصة! أظنُ أنها زرعت الخزامى، لا أكفُ عن شم رائحة الخزامى.


إن أزهرت الأزهار، سأفتتح مهرجانًا في قلبي.

أتمنى أن تُزهر قلوب الجميع، و تمتلئ بالحُب و السلام.




القمر مكتملٌ الليلة، وبهذهِ المناسبة، كتبتُ رسالة وأرسلتها إلى القمر .. سأرفق فحواها:


"إلى البشر الأعزاء،

أحبكم.

لطالما ظننت أنكم أسأتم إليّ، لكنكم في الحقيقة منحتموني الكثير، وما زلتم تمنحوني المزيد حتى أصبحتُ ما أنا عليه اليوم. أنا لا شيء بلا ثقافتي، بلا شعبي. القمر مكتمل الليلة… لكن بدلًا من أن أعوي له بشراسة، أصبحت كاملة. كاملةً في الروح، كاملةً في العقل، كاملةً في القلب. أنا إنسانةٌ كاملة الليلة."



كل الحُب،

رهف

Comments


Post: Blog2_Post
bottom of page